الشنقيطي
262
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 ) [ التوبة : 17 - 18 ] . قوله تعالى : وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [ 35 ] الآية . المكاء : الصفير ، والتصدية : التصفيق ، قال بعض العلماء : والمقصود عندهم بالصفير والتصفيق التخليط حتى لا يسمع الناس القرآن من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويدل لهذا قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) [ فصلت : 26 ] . قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ 41 ] . ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء حواه المسلمون من أموال الكفار فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية ، سواء أوجفوا عليه الخيل والركاب أو لا ، ولكنه تعالى بين في سورة « الحشر » أن ما أفاء اللّه على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب ، أنه لا يخمس ومصارفه التي بين أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا ، وذلك في قوله تعالى : في فيء بني النضير وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [ الحشر : 6 ] الآية ، ثم بين شمول الحكم لكل ما أفاء اللّه على رسوله من جميع القرى بقوله : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [ الحشر : 7 ] الآية . اعلم أولا أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة فقالوا : الفيء ، هو ما يسره اللّه للمسلمين من أموال الكفار من غير انزاعه منهم بالقهر ، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النبي صلى اللّه عليه وسلم ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء لشدة الرعب الذي ألقاه اللّه في قلوبهم ، ورضي لهم صلى اللّه عليه وسلم أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح ، وأما الغنيمة : فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر ، وهذا التفريق يفهم من قوله : * وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ [ 41 ] الآية مع قوله : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ فإن قوله تعالى : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ الآية : ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه وما لم يوجفوا عليه كما ترى ، والفرق المذكور بين الغنيمة والفيء عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله في غزوة بني النضير : وفيئهم والفيء في الأنفال * ما لم يكن أخذ عن قتال أما الغنيمة فعن زحاف * والأخذ عنوة لدى الزحاف لخير مرسل الخ .